محمد أبو زهرة
2229
زهرة التفاسير
الأرض من زروع وثمرات ، وفي اختلاف الأجواء ، والإرادات الإنسانية ليتم التكليف ، ويكون الاختبار . وبيان ذلك أن الناس يختلفون أمما وعناصر ، وقد توزعتهم أقاليم الأرض ، فقوم تعالج قلوبهم الغليظة بما يفطمها عن شهواتها ، ويجعلها في جادة الاعتدال ، وأخرى تعالج بالتخفيف ليحيى موات النفوس فيها ، وثالثة تعالج ببعض الحرمان ، ورابعة بالاعتدال ، وهكذا كانت الشرائع السابقة علاجا لأهواء النفوس التي تعامل معاملة المختبرة بتنازع الإرادات وسيطرة الأجواء ، ومنازع الأهواء ، ومضطرب الأحوال ، فمن سلك الجادة وصل إلى الحق ، ومن خالف كان له جزاء مخالفته ، ولما جاءت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ومعها القرآن كان العقل البشرى في طريق الكمال ، وكانت بكلياتها صالحة لكل زمان ، وكان الابتلاء قائما في منازعة الهوى ، ومغالبة النفس الأمارة بالسوء ، والتي ألهمت فجورها وتقواها . وإن الابتلاء في الماضي والحاضر بالتخالف في الطبائع ، وتخالف جزئيات الشرائع ، وبعد رسالة محمد صلى الله عليه وسلم كالتخالف في الإرادات والمنازع ، وفي كل هذا الابتلاء ، والنجاح في هذا الامتحان الفطري هو بطلب الخيرات ؛ ولذا قال سبحانه : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ . إذا كان الله سبحانه وتعالى يعامل الناس في الماضي والحاضر معاملة الذين يختبرهم وهو العليم بحالهم ، ومآل أمورهم ، وهم يشعرون بكمال اختيارهم ، وأنهم يختارون ، ويتخيرون ، فإن عليهم أن يحسنوا الاختيار ويسرعوا إلى الخير . واستبقوا في أصل معناها : التسابق ، ولكن لتضمنه السبق والابتدار تعدى من غير إلى ، كما في قوله تعالى : وَاسْتَبَقَا الْبابَ . . . ( 25 ) [ يوسف ] . أي حاول كل واحد منهما الابتدار والوصول إلى الباب قبل الآخر ، ومرمى النص أنه ليس لليهود أن يقولوا : نتبع شرعنا ، بل عليهم أن يبتغوا الخير ، ويسرعوا إليه ، وهو في ذاته معلوم ببداءة العقول تدركه من غير عوج ، وفوق ذلك فإن الدليل قد قام بما لا يقبل الشك على رسالة محمد - عليه الصلاة والسلام - وهي الخير كله ،